عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
742
معارج التفكر ودقائق التدبر
لدعوة الحقّ عن طريق إرادتهم الحرّة بعد معالجتهم الطّويلة ، لأنّهم بالنّسبة إليها بمثابة الصّمّ العمي : * أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 40 ) ؟ : الخطاب في هذه الآية موجّه بأسلوب الخطاب الإفراديّ للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أوّلا ، فلكلّ صالح للخطاب من المؤمنين الّذين يهتمّون بدعوة غير المسلمين إلى الدّخول في دين اللّه الحقّ . وفي هذا الخطاب إشعار للجاحدين المعاندين ، الّذين عرفوا الحقّ ، ولم يستجيبوا للدّاعي إلى الحقّ ، بعد معالجات مختلفات بأساليب الإقناع ، والجدال بالّتي هي أحسن ، والتّرغيب والتّرهيب ، بأنّهم بمثابة الصّمّ العمي ، المتوغّلين في ضلال مبين . والاستفهام في هذا البيان ، فيه معنى الإرشاد إلى توجيه جهاد الدّعوة لغير الميؤوس من استجابتهم عن طريق إراداتهم الحرّة . حرصا على عدم إنفاق طاقة المجاهدة فيما لا جدوى منه ، وعلى توجيهها للّذين تلاحظ لديهم مخايل الاستجابة ، أو للّذين لم يسبق أن عولجوا بأساليب الدّعوة علاجا طويلا ، مقنعا بأنّهم ميؤوس من إصلاحهم عن طريق إراداتهم الحرّة . أي : لا تحاول إسماع الصّمّ ، وهداية العمي ، وهداية من كان في ضلال مبين ، سائر في سبل الضّلال بجحود ومكابرة ومعاندة للحقّ . شبّه الّذين يدبرون ويتولّون عن استماع البيانات الدّاعيات إلى دين اللّه الحقّ ، بالصّمّ ، فأطلق عليهم أنّهم صمّ على سبيل الاستعارة . وشبّه الّذين يدبرون ويتولّون عن تفهّم آيات اللّه المشهودة في كونه الدّالّات على طائفة من صفاته وأسمائه الحسنى ، بالعمي ، فأطلق عليهم أنّهم عمي على سبيل الاستعارة أيضا .